SHARE:
 News
 Ethical leadership & multilateral cooperation

التنمية المستدامة والديمقراطية والسلام: دور المرأة الرئيسي

Share this:
Anonymous
Monday, 12 March, 2012

اسمحوا لي أن أعرب عن امتناني لدعوتكم لي لإلقاء كلمة في الجامعة الأميركية في القاهرة، ولإتاحة الفرصة لتكريم ذكرى شخصية رائعة. ربما تكون للدروس المستفادة من حياة نادية يونس صدىً لدى الكثيرين من الحضور اليوم ولدى الشباب المصري عموماً.

كانت نادية يونس حقاً شخصية مثيرة للإعجاب.

فقد كانت نادية يونس ممثلة بارزة لبلدها مصر، وهي تذكار للمساهمات كبيرة التي قدمتها مصر ودول العالم العربي للعالم، والمساهمات التي يمكن أن تقدمها في المستقبل.

وكانت نادية يونس امرأة ماهرة وشجاعة، وتلك شهادة على ما تستطيع المرأة تحقيقه اذا ما أتيحت لها الفرصة.

كما كانت نادية يونس نموذجاً رائعاً للموظف الدولي، حيث كرست حياتها للأمم المتحدة ومهمتها في الأمن الدولي والسلام والكرامة الإنسانية.

وأريد أيضاً أن أتقدم بالتحية الى أخت نادية وشقيقها وغيرهم من الأقارب الموجودين معنا اليوم. وأود أن أشيد بكم وبالجامعة الأمريكية بالقاهرة على العمل الذي تقومون به باسم نادية يونس لدعم تعليم الشباب في العالم العربي، وتشجيع الالتزام بالمجتمع والخدمة الإنسانية.

كانت نادية - ولا تزال - محط الكثير من الإعجاب من قبل زملائها وجميع الذين عرفوها وعملوا معها. وكنت أنا واحد من هؤلاء الناس الأوفر حظاً.

كمدير عام المنظمة الصحة العالمية (WHO) أردت أكثر الأشخاص كفاءة لفريق الادارة. شعرت بالسعادة عندما انضمت نادية إلينا في منصب المدير المسؤول عن العلاقات الخارجية وهيئاتنا الرئاسية في عام 2002. وكان هذا منصباً مهماً للغاية، فمع خبرتها الواسعة بمنظومة الأمم المتحدة، قدمت نادية نصائح لا تقدر بثمن حول العديد من القضايا.

وبالرغم من ذلك، لم تبقَ نادية معنا لوقت لطويل في جنيف. وربما كان ذلك بسبب بعدنا عن الميدان، وهو المكان الذي أحبت نادية أن تكون فيه حيث آمنت أن التغيير ممكن. غادرت نادية يونس منظمة الصحة العالمية لتولي مهمة للأمم المتحدة في بغداد في نيسان من 2003.

وبعد مرور أربعة أشهر فقط ، توفيت نادية في الهجوم الإرهابي المدمر على مبنى الامم المتحدة في العاصمة العراقية والذي أودى أيضاُ بحياة رئيس فريق الامم المتحدة سيرجيو فييرا دي ميلو، كما قتل وجرح العديد الآخرين.

كان ذلك حادثاً أليماً للعائلات والأصدقاء وأمانة الأمم المتحدة، التي فقدت العديد من أكثر موظفيها كفاءة. كانت تلك بالتأكيد خسارة كبيرة بالنسبة لنا في منظمة الصحة العالمية، حيث كنا نقدّر نادية كزميلة وأحببناها كصديقة.

كتبت سامنثا باور في سيرة سيرجيو فييرا دي ميلو أنه "كان يريد فريقاً من أمهر الكفاءات في الأمم المتحدة لشغل وظائف شاقة للغاية. وكقائد لأفضل فريق للأمم المتحدة في بغداد، قام باختيار نادية يونس. إنه لثناء محزن، لكنه يتناسب مع صفاتها."

لقد مرت أكثر من ثماني سنوات على تلك الأحداث المأساوية في بغداد، وتتوجه عيون العالم اليوم نحو بلدان الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى.

إن سلسلة الأحداث المبهرة وغير المتوقعة والتي تعرف "بالربيع العربي" أو "الصحوة العربية" هي محط أنظار واهتمام دول العالم، الذين يتطلعون إليها بكثير من الأمل.

كانت نادية لتفخر برؤية هذه الأحداث، خصوصاً هنا في مصر وطنها الأم. وكان من المرجح أن تعرب عن رغبتها في المشاركة نفسها، فتلك كانت شخصيتها. أنا متأكدة من أنها كانت ستشارك الناس تطلعاتها في مختلف أنحاء المنطقة حول الديمقراطية والحكومة التي تشمل الجميع والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لصالح الجميع.

وأتصور أنها كانت ستكون سعيدة أن المرأة لعبت دوراً بارزاً في الحركة من أجل التغيير، وأنها تريد النساء ان يستمروا بالمشاركة في عمل كل ما هو لا يزال يتعين القيام به لتحقيق الرؤية الجديدة لمصر.

وقد حدث تغيير هائل على مدار العام الماضي. في الوقت نفسه، نحن جميعاً ندرك تماماً أن عملية التحول التي تمرون بها لا تزال عملية شاقة وصعبة للغاية، كما أن النتيجة النهائية لا تزال غير واضحة. التيقظ ضروري لضمان عدم فقدان أو اختطاف المكتسبات الهائلة من الحريات الشخصية وغيرها من المكاسب السياسية.

أنا دائماً أتوخى الحذر عند القيام بالتنبؤات - أو حتى تقديم الآراء - عن البلدان الأخرى. ولكني أود أن أعرب عن تفاؤلي الشخصي. لدى هذه المنطقة مواهب بشرية الهائلة لم يتم استثمارها بعد، وأنا أؤمن أن التغييرات التي نشهدها ستعود بالنفع على المنطقة والعالم على المدى الطويل.

نحن جميعاً اعون من الوضع في سوريا. إنني أشعر بقلق بالغ من إراقة الدماء والمعاناة البشرية التي تجري في سوريا. وأود أن أعرب عن تعاطفي العميق وأسفي لآلاف الأرواح التي أزهقت، وأضم صوتي إلى الدعوات المتزايدة لوقف أعمال العنف ووصول المساعدات الإنسانية فوراً. كما أتمنى لكوفي عنان كل النجاح في المهمة التي أوكلت له من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

أنا عضوة في جماعة الحكماء، وهي مجموعة من القادة العالميين المستقلين، أسسها نيلسون مانديلا للعمل معاً من أجل السلام والمساواة وحقوق الإنسان. قام رئيس جماعة الحكماء ديزموند توتو مؤخراً بمناشدة وحث السوريين على اختيار الحوار بدلاً من العنف، ودعوة السلطات السورية لوقف هجماتها العسكرية على الأبرياء. أنا أؤيد هذا الرأي بقوة، ونحن في جماعة الحكماء نأمل بإخلاص أن يتوحد المجتمع الدولي لإنهاء الازمة السورية. إن الانقسامات بين القوى العالمية الكبرى ستؤدي إلى إطالة عذاب ومعاناة الشعب السوري، وزيادة خطر نشوب حرب أهلية طويلة الأمد.

لقد قلت بأنني متفائلة، ولكن عدم وجود أي تقدم في حل صراع دام 64 سنة طويلة بين إسرائيل والفلسطينيين هو مأساة أخرى. كرئيس وزراء النرويج في أثناء عملية أوسلو، أشعر بالألم لرؤية أن حل الدولتين لا يزال بعيد المنال حتى بعد 20 سنة. لقد تمنيت أن يسهم الربيع العربي في اعتراف واسع النطاق بأن اتفاق السلام أمر أساسي لأمن طويل الأمد للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء. للأسف، هذا لم يحدث حتى الآن.

اسمحوا لي هنا أن أعود إلى مصر وموجة التغيير التي تجري في جميع أنحاء المنطقة. أنتم أكثر دراية بالتفاصيل، ويختلف الوضع كثيراً من بلد إلى آخر. ومع ذلك، يبدو لي أن هناك الكثير من السمات المشتركة.

  • سعي للشباب نحو مستقبل أفضل ووظائف لائقة، والحصول على تعليم عمومي عال الجودة، وصوت في القرارات التي تؤثر على حياتهم.
  • المطالبة بحقوق الإنسان الأساسية وحرية التعبير والمساواة، ووضع حد للفساد والتمييز.
  • وأخيرا، أهمية إنشاء مجتمعات شاملة غير مقسمة، وذلك هو الطريق الوحيد للخروج من الصراع من أجل الاستقرار والازدهار على المدى الطويل.

واسمحوا لي أيضاً أن أؤكد على الدور الخاص الذي يمكن أن تقوم به المرأة في بناء مستقبل أفضل في العالم العربي، وتقديم بعض الأفكار المبنية على تجربة بلدي.

بالنسبة لي، يبدو جلياً أن على المرأة لعب دور على قدم المساواة مع الرجال إذا كان المجتمع يريد أن يكون شاملا. المشاركة الكاملة للنساء تجعل المجتمعات أكثر نجاحا. ونظراً لخلفيتي، فأنا أتابع النضال من أجل حقوق المرأة في جميع أنحاء العالم باهتمام خاص.

لقد لعبت المرأة دوراً بارزاً على مدى الإثني عشر شهراً الماضية، في ظل ظروف مختلفة جداً في جميع البلدان المنخرطة في الصحوة العربية، بما في ذلك مصر. هذا هو الجانب الواعد للموضوع.

ولكن يبدو أيضاً أن هناك بعداً سلبياً قد بدأ بالظهور. يجري حاليا الطعن في المكتسبات التي حققتها المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فهناك تقارير تفيد بأنه يتم استبعاد النساء اللواتي لعبن دوراً حاسماً في الحركات الديمقراطية من المفاوضات حول أنظمة الحكم المستقبلية. بالنسبة لنا، نحن الذين تابعنا الانتفاضة في مصر منذ عام باهتمام شديد، رأينا في الانتخابات النيابية الاخيرة نكسة مخيبة للآمال. ففي حين ترشح 376 امرأة بالترشح للبرلمان ، نجحت ست سيدات فقط في الفوز بمقاعد. فازت المرأة بـ 2% فقط من المقاعد. أخشى ان هذا حدث أيضاً في النرويج قبل ثلاث أجيال مضت.

وأنا أؤمن بأنه كي تتطور مصر إلى مجتمع سلمي ذو اقتصاد مزدهر ونظام اجتماعي يمكن أن يوفر حياة أفضل للجميع، فإن المرأة المصرية لا يمكن أن تكون مهمشة في العملية السياسية.

وأعتقد أنه من المهم الاستفادة من جميع فئات المجتمع بما في ذلك الأقليات، لضمان سماع أصواتهم وضمان الاستفادة من مواهب أكبر عدد ممكن من الناس. وبهذه الطريقة فقط تشعر هذه الفئات بأن لديها مصلحة في نجاح المجتمع والبلد. فمثلاً، لا يمكنك بناء أفضل فريق كرة قدم إذا قمت باستثناء ما لا يقل عن نصف عدد اللاعبين المحتملين خلال عملية الاختيار.

لماذا إذن تعد مشاركة المرأة في غاية الأهمية؟ لأن المشاركة هي حق أساسي من حقوق الإنسان المنصوص عليها في اتفاقيات الأمم المتحدة وإعلاناتها والتي تعد مصر من الدول الموقعة عليها. ويجب أن تضم أي ديمقراطية تمثيلية المرأة لأنها يجب أن تمثل أصوات جميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو العرق.

إن المرأة جزء أساسي من الجهود التي تبذلها أي بلد في العالم من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويؤكد أحدث تقرير عن التنمية في العالم الصادر عن البنك الدولي أن المساواة بين الجنسين هو اقتصاد ذكي. وقبل ذلك ببضع سنوات، سلط تقرير التنمية البشرية العربية الصادر عن الأمم المتحدة الضوء على قضية النوع الاجتماعي (الجندر) واعتبرتها عاملاً رئيسياً في كبح تطور معظم المجتمعات العربية. واشترك خبراء اقتصاديون مصريون في كتابة هذا التقرير التاريخي.

وأصبحت استنتاجاتهم الآن مقبولة على نطاق واسع وهي أن البلدان التي تخلق فرصاً وظروفاً أفضل للنساء والفتيات هي التي تنجح في زيادة الإنتاجية وتحسين النتائج بالنسبة للأطفال وتوسيع آفاق التنمية للجميع. يجب أن تكون المجتمعات جيدة الأداء قادرة على أن تضمن للنساء والرجال المشاركة في جميع مستويات المجتمع وقطاعاته.

وهذا ليس بالشيء الهين الذي يمكن تغييره بين عشية وضحاها. ففي بلدي، النرويج، حصلت المرأة على حق التصويت منذ 100 سنة. ونحن اليوم متقدمون جداً من الناحية الاقتصادية، ونحوز على المركز الأول في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة.

وقد تعتقد أن هذا بسبب الثروة الناتجة عن النفط والغاز من بحر الشمال، إنها بالتأكيد أحد الأسباب ولكن كما نعرف الحال في هذه المنطقة، فإن إيرادات النفط والغاز الضخمة لا تضمن تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة والعكس صحيح في بعض الأحيان.

ومن الأسباب الرئيسية للتنمية في النرويج نجاحنا في تعبئة جميع مواردنا البشرية واستخدامها جيداً. تعد مشاركة المرأة في سوق العمل في النرويج من أعلى المعدلات في العالم. وضاعفت المرأة من مستوى الذكاء والموهبة بين القوى العاملة. لقد خلقن فرص عمل جديدة وزودن الإيرادات الضريبية، مما مكننا من مواصلة الاستثمار في الرعاية الاجتماعية وتوفير الفرص للجميع.

وللمرأة أيضاً صوت قوي في عملية صنع القرار. أتشرف بانتخابي كأول سيدة تتولى منصب رئيس الوزراء في النرويج. في عام 1986، عندما شكلت حكومتي الثانية، كان 40 في المائة من وزراء الحكومة أو 8 من أصل 18 وزيراً من النساء. ولم يؤيد كل الناس، بما في ذلك الكثير من النساء، هذا الوجود البارز للمرأة في الحكومة، فلم يكونوا قد اعتادوا على ذلك.

ولكن منذ ذلك الحين، لم تأت حكومة نرويجية إلا وبها 40 في المائة على الأقل من الوزيرات. واليوم، تتوزع المناصب في الحكومة النرويجية برئاسة ينس ستولتنبرغ بالمساواة بين المرأة والرجل. وضمت جميع الأحزاب السياسية الرئيسية لدينا قيادة نسائية واحدة أو أكثر وذلك على مدار العشرين سنة الماضية. وبعد 25 عاماً، أصبح هذا الوضع شائعاً. وأعتقد أن القرارات التي نتخذها هي الأفضل لأننا نستفيد من الاستماع إلى وجهات النظر أكثر من صناعتها.

وبطبيعة الحال، نحتاج في كثير من الأحيان إلى ما هو أكثر من العمل التطوعي. ففي مجالس إدارة شركات القطاع الخاص في النرويج، كان التقدم بطيئاً نوعاً ما فيما يخص هذه القضية. ونتيجة لذلك، اعتمد قانون لضمان وجود ما لا يقل عن 40 في المائة من النساء في مجالس إدارة الشركات. وكان يُنظر إلى هذا القانون في البداية بعين الشك، ولكنه صار الآن مقبولاً على نطاق واسع ولم يؤثر سلباً على الميزانيات كما كان يدعي النقاد.

في الشرق الأوسط، يتكون نصف طلاب الجامعات من الفتيات. فلماذا لا يتم تمثيل المرأة بالتساوي في الحكومة أو في المناصب القيادية في القطاع الخاص؟ هل لأن الكثير من النساء يشعرن بالراحة أكثر عند شغل الأدوار التقليدية في البيت أم لأنهن لا يجرؤن على تحدي زملائهن

من الذكور؟ أم لأنه لم يتم منحهن فرصة للتنافس على قدم المساواة؟ ربما يتكون الجواب من مزيج من الثلاثة معاً ولكنني متأكدة من أنكم أعلم مني بشأن ذلك من خلال تجاربكم الشخصية.

والآن حان الوقت لضمان حقوق المرأة ومشاركتها في الدستور الجديد وإلغاء القوانين التمييزية.

*

في ديسمبر الماضي، فازت ثلاث سيدات من أفريقيا والمنطقة العربية بجائزة نوبل للسلام لجهودهن في بناء السلام في بلادهن. الرئيس إلين جونسون سيرليف ومواطنتها ليما جبووي لعملهما في ليبيريا وتوكل كرمان لمساهمتها الهامة في الانتقال السلمي للسلطة وحرية التعبير في اليمن.

هؤلاء الثلاث لم يكن أول النساء اللاتي يحصدن جائزة نوبل للسلام في التاريخ، ولكن غالبية الحائزين على جائزة نوبل على مدار 110 عاماً كانوا من الرجال.

هل يعمل الرجال أكثر من النساء من أجل السلام؟ لا أعتقد ذلك.

على مر التاريخ، تظاهرت واحتجت النساء في خضم الصراعات وطالبن بالعدالة وتحدين الطغاة وتوسطن بين المنافسين ووفقن بين المجتمعات. وفي معظم الوقت، تُجرى جهودهن خارج دائرة الضوء بوسائل الإعلام وتحت هياكل صنع القرار الرسمية. وغالباً لا يتم ملاحظة جهودهن على الرغم من أن المحرضين على العنف والإرهاب - عادةً ما يكونوا رجالاً – هم الذين يظهرون في العناوين الرئيسية.

وتعد جائزة نوبل للسلام هذا العام اعترافاً بإمكانية تحقيق السلام من خلال تمكين المرأة.

ففي اليمن، رفضت توكل كرمان العنف بشدة وقالت "إننا نرفض العنف ونعلم أنه قد تسبب بالفعل في مشاكل لا تعد ولا تحصى لبلادنا". وشددت على أن الإسلام هو دين سلمي وطالبت بحقها كامرأة مسلمة في أن تكون ناشطة وتكافح من أجل حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.

أما في ليبيريا، قادت ليما جبووي حركة نسائية ضد الحرب وطالبت بوضع حد للقتال وأن يكون للمرأة صوتاً في عملية السلام.

وعلى نحو مماثل، أظهر الربيع العربي أن هناك قوة هائلة في الناس عندما يجتمعون معاً في مظاهرات غير عنيفة. وأعتقد أن مطالبهم كانت متشابهة وهي أن يكون لهم صوتاً في عملية صنع القرار ووضع حداً للخوف والعنف وتحقيق المساواة أمام القانون.

*

أريد أن أنتقل الآن إلى جزء آخر من القصص الملهمة في حياتي. فبصفتي امرأة وطبيبة، كانت صحة المرأة دائماً من أهم شواغلي. فبدون صحة جيدة، كما تعلمون جميعاً، لا يمكن إنجاز إلا القليل بالنسبة لنا كأفراد أو كمجتمعات. ولكن قد تكون العلاقة بين الصحة والتنمية غير معروفة.

وخلال فترة عملي كمديرٍ عام لمنظمة الصحة العالمية، أنشأت لجنة معنية بالاقتصاد الكلي والصحة بقيادة البروفيسور جيفري ساكس من جامعة كولومبيا. وفي ذلك الوقت، كانت الصحة هدفاً مهماً ونتيجة للتنمية وكان ذلك من المفاهيم العامة. ولكن لم يُعط أي اهتمام لأهمية الاستثمار في الصحة من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية. وذكرت اللجنة أن توسيع نطاق تغطية الخدمات الصحية الأساسية، بما في ذلك عدد صغير نسبياً من محاولات التدخل من أجل فقراء العالم، يمكن أن ينقذ حياة الملايين كل عام وتحفيز التنمية الاقتصادية وتعزيز الأمن العالمي.

ويسرني أن أعلن أنه يتم متابعة عمل هذه اللجنة من خلال التركيز بصفة خاصة على صحة المرأة. وأطلق وزير خارجية النرويج جوناس ستور بالتنسيق مع المدير العام الحالي لمنظمة الصحة العالمية مارجريت تشان والمدير التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة ميشيل باتشيليت مشروعاً يهدف إلى التعرف على الفوائد الاقتصادية التي يمكن الحصول عليها من خلال الاستثمار في صحة المرأة. وسيقدم الخبراء الدوليين المعنيين تقريرهم في خريف 2013.

وبالإضافة إلى ذلك، من المعروف أن الفتيات والنساء الأصحاء والمتعلمات عنصراً ضرورياً من أجل التنمية. وهذا هو الهدف الرئيسي من حملة "كل امرأة وكل طفل" للأمين العام للأمم المتحدة وهو مساعدة البلدان الأعضاء على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية المتعلقة بتقليص معدلات وفيات الأمهات والأطفال. ويسعدنى أن أقول أن النرويج من أكبر المؤيدين لهذه الجهود.

واُعتمدت واحدة من أكثر الوثائق الدولية أهمية للتأكيد على حق الصحة الجنسية والإنجابية هنا في القاهرة في عام 1994 في المؤتمر الدولي للسكان والتنمية. ربما اعتبرها بعض المشاركين في ذلك الوقت أنها مثيرة للجدل، ولكنها كانت حدثاً بارزاً فيما يتعلق بالمرأة والصحة ومهدت الطريق لغيرها من الالتزامات الدولية القوية حول المساواة بين الجنسين.

ولكن للأسف، على الرغم من هذه الكلمات الرقيقة والاتفاقات النبيلة ، لا تزال الرعاية الصحية غير الملائمة فيما يخص الحمل والولادة والإجهاض السبب الرئيسي للوفيات بين النساء في سن الإنجاب في العديد من البلدان النامية.

وفي نفس الوقت، لدينا أسباب تدعونا للقلق بشأن الطريقة التي تحاول بها بعض الدول وبعض الفئات من المجتمع، التي تعارض الصحة الجنسية للنساء وحقوقهن، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والتراجع عن المبادئ التي تم تبنيها في القاهرة سنة 1944 وإعلان بكين سنة 1995 والتي قادت نحو "اتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة".

وبما أننا نناقش صحة الفتيات والنساء، فاسمحوا لي بانتهاز هذه الفرصة لطرح موضوع نادرا ما تتم مناقشته في العلن، رغم أنه يمس المواضيع الثلاث الأبرز في خطابي اليوم: المساواة والتعليم والصحة. والأمر يتعلق هنا بموضوع زواج الأطفال والذي غالباً ما يعتبر من المحرمات.

سنويا يتم تسجيل حوالي عشرة ملايين حالة زواج للأطفال دون سن الثامنة عشر. ونسبة كبيرة من تلك الحالات للأطفال دون سن الخامسة عشر، رغم أنه من الصعب تحديدها بشكل دقيق.

ويحدث هذا الأمر في كل القارات والمناطق – مع تسجيل انتشار أوسع في أجزاء من أفريقيا والهند والشرق الأوسط. ورغم الجهود التي يبذلها بعض النشطاء الشجعان، إلا أنني أعتقد أن زواج الأطفال ما يزال مشكلة غير معترف بها بالنسبة للفتيات والنساء هنا في مصر، لاسيما في المناطق الريفية الفقيرة. كما أن الممارسة التقليدية المتعلقة بختان الفتيات تظل منتشرة، رغم أنها أصبحت غير قانونية.

وخلال الشهر الماضي، كنت في الهند برفقة مجموعة من الزملاء من منظمة الحكماء. زرنا ولاية بيهار، وهي إحدى أكثر الولايات الهندية فقراً، حيث يتم تزويج حوالي نصف الفتيات الصغيرات قبل أن يبلغن سن الخامسة عشر، كما أن أكثر من 60 بالمئة يتزوجن قبل سن الثامنة عشر. وعندما يقف المرء ليتذكر أن زواج الأطفال تم منعه في الهند منذ حوالي قرن من الزمن، فإنه سيجد هذه الإحصاءات فعلا صادمة.

انعكاسات زواج الأطفال على الصحة خطيرة للغاية. فالفتيات اللواتي أصبحن حوامل وأنجبن في سن مبكرة يجدن أنفسهن معرضات لخطر الموت والإصابة أكثر من النساء اللواتي ينجبن في سن العشرين. كما أن أطفالهن معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بالأمراض والموت في مرحلة الطفولة. والمرجح أنهن وعائلاتهن فقراء وسيبقون كذلك. ونادراً ما تجد تلك الفتيات طريقهن إلى المدرسة.

لماذا يستمر الأمر إذن؟ ربما هو نفس السبب الذي يجعل النساء يعانين من تمثيل ضعيف في مجال السياسة، والأعمال والمناصب القيادية بوجه عام. لأن مجتمعاتهن تمنح الفتيات والنساء قيمة أقل من الرجال، بغض النظر عما ينص عليه القانون. يجب أن تكون العلاقات السلبية واضحة بين الفقر وزواج الأطفال، وزواج الأطفال وغياب التنمية. وينبغي أن تكون الأجوبة واضحة أيضاً.

سيداتي سادتي، اسمحوا لي أن أحاول أن أنسج معا بعض الخيوط المتعلقة بالمسائل التي تطرقت إليها، لأوضح كيف ولماذا هي مترابطة - وتحتاج للتعامل معها كعناصر مندمجة تشكل نفس القطعة من القماش.

قبل أكثر من 25 سنة، وفي الفترة الممتدة من سنة 1984 إلى سنة 1987، كان لي شرف تولي رئاسة اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، وهي هيئة أحدثتها منظمة الأمم المتحدة. وكانت الرسالة الأبرز في تقريرنا هي حاجة العالم للتوجه نحو التنمية المستدامة – وهو مصطلح انتقيناه للإقرار بأن قضايا البيئة والإنسانية والتنمية الاقتصادية كلها مترابطة.

ومنذ ذلك الحين لم تتمكن حكوماتنا من اتخاذ خطوات شاملة تستدعيها الحاجة بشكل مستعجل.

ثمة تغييرات مزعجة، وربما لا يمكن إصلاحها، تتعرض لها البيئة في العالم. التغيرات المناخية تسير بمعدل أسرع من أي وقت مضى. وتعداد سكاننا يستمر بالارتفاع بشكل سريع. وفي نهاية السنة الماضية، تجاوز تعداد سكان العالم سبعة مليارات شخص. وحسب التوقعات الحالية للأمم المتحدة، فإن الرقم قد يتجاوز عشرة مليارات مع نهاية هذا القرن.

وإجمالا، وعلى امتداد العقود الأخيرة، فإن مئات الملايين من الناس تمكنوا من تجاوز خط الفقر، غير أن انعدام المساواة تتزايد في العديد من الدول، المتطورة منها والنامية. فأكثر من مليار شخص لا يزالون يعيشون في فقر مدقع. ولقد أدى تباطؤ الاقتصاد العالمي، بسبب الأزمة المالية العالمية، إلى وقوع أزمات بطالة وأزمات اجتماعية في الكثير من الدول. وهنا في مصر، أعرف أن الكثير من الناس يعانون من الناحية الاقتصادية.

وبعد مرور عشرين عاما على أول قمة حول الأرض في ريو دي جانيرو، سنلتقي جميعا مرة أخرى في ريو شهر يوليو القادم في محاولة ثانية لنضع كوكبنا على مسار صحي أكثر على المدى البعيد. وأتمنى هذه المرة أن يقر القادة في مجال السياسة والأعمال بأنه لا يمكن عزل المشاكل البيئية والمسائل المتعلقة بالفقر وانعدام المساواة والغذاء والماء عن بعضها البعض. فهي كلها تمثل مسألة واحدة. وأمام المجتمع المدني دور مهم للقيام به في هذا الخصوص، من خلال خلق صلة وصل بين الناس والحكومات.

ولقد عملت مؤخرا في مجلس للأمم المتحدة حول الاستدامة العالمية، تحضيرا لقمة ريو + 20. أملي أن ينصت قادة العالم لتوصيات المجلس عندما يلتقون شهر يونيو. اسمحوا لي بتسليط الضوء على بعض هذه التوصيات:

  • أولا، التنمية المستدامة تتعلق بالإقرار بالترابطات وفهمها والعمل عليها – لاسيما الترابطات بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة الطبيعية.
  • ثانيا، وربما هذه أهم هذه التوصيات، التحول الجاد نحو التنمية المستدامة يتطلب المساواة بين الجنسين ووضع حد للتمييز ضد النساء. الزيادة المقبلة في التنمية الشاملة يمكن أن تتأتى من خلال النهوض بالنساء اقتصاديا. غير أن هذا سيتطلب سياسات تهتم بشكل صريح بالتحديات الخاصة التي تحد من مشاركة النساء في الاقتصاد – من خلال ضمان استفادة متساوية من الأرض ورأس المال والقروض والأسواق.
  • ثالثا، يتعين على الحكومات أن تستند على النجاح الكبير للتعبئة التي حظي بها برنامج "الأهداف الإنمائية للألفية" والاتفاق على مجموعة أبرز "أهداف التنمية المستدامة".
  • ورابعا، نحتاج لجهاز عالمي أكثر فعالية في ما يتعلق بالتنمية المستدامة. وينبغي إحداث مجلس جديد للتنمية المستدامة، تتمثل مكانته واهتمامه في إشراك القادة على أعلى مستوى.

أملي الكبير أن يتم اتخاذ قرارات جريئة في قمة ريو، وأن نقوم بخطوة حقيقية نحو الأمام. علينا أن نقوم بهذا، كمسؤولية تجاه الأجيال المستقبلية التي تمثلونها أنتم في هذه الجلسة.

*

اسمحوا لي بأن أختم حيث بدأت، رفقة نادية يونس والأمم المتحدة.

في مدخل تقرير "اللجنة الدولية" التي ترأستها، بعنوان "مستقبلنا المشترك"، صرحت بالقول: "قد تكون أكثر المهام استعجالا اليوم متمثلة في إقناع بلدان العالم بالعودة إلى التعددية. ينبغي أن يقدم تحدي إيجاد مسارات للتنمية المستدامة قوة دفع – بل في واقع الأمر حتمية – لبحث متجدد عن حلول تعددية ونظام اقتصادي دولي للتعاون بهيكلة جديدة." أعتقد أن هذا التصريح الذي تمت كتابته مع نهاية الحرب الباردة يظل صالحا اليوم كما كان حينها.

وتظل الأمم المتحدة – التي وهبتها نادية يونس حياتها – جهازا لا غنى عنه أكثر من أي وقت مضى. ومن الصعب أن ترى كيف يمكن للمجتمع الدولي التعامل مع العدد المتزايد للتحديات والمخاطر المترابطة دون توافر نظام تعددي شامل يعمل بشكل جيد – تظل فيه الأمم المتحدة طرفا بارزا.

ولقد لعبت مصر، باعتبارها العمود الفقري لأفريقيا والشرق الأوسط، وزعيمة حركة دول عدم الانحياز ومنارة باقي بلدان العالم العربي، على الدوام دورا قياديا داخل الأمم المتحدة. وكان الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي قد باشر إصلاحات مهمة في عهده، فعلى سبيل المثال من خلال مبادرته "أجندة من أجل السلام". ولعبت مصر دورا بارزا أيضا خلال النقاشات المتعلقة بإصلاح مجلس الأمن، وبالتالي تحديث تشكيلته وعكس وقائع عالم اليوم، لا وقائع سنة 1945.

وكما نعرف جيدا، فإن الأمم المتحدة ليست أقوى مما تريدها الدول الأعضاء أن تكون. وفي أغلب الأحيان، فإن التقدم بشأن مفاوضات دولية مهمة – تتعلق بالتغيرات المناخية، قضايا نزع السلاح ومراقبة الأسلحة، أو جولة الدوحة للتنمية – تتم عرقلته بسبب مصالح وطنية. وذلك ما يتجاهل مصالحنا المشتركة والشاملة.

ما نحتاجه، إذن، هو إصلاح آلية الأمم المتحدة وأنظمتها، وكذا إرادة سياسية قوية من طرف الدول من أجل دعم منظمة أممية أعيد إصلاحها.

ومصر اليوم في موقع يمكنها من لعب دور قيادي من أجل المساعدة على رأب هذا الصدع. ويمكن أن تكون مصر شريكا مهما واستراتيجيا للبلدان التي تشبهها، شمالا وجنوبا، من أجل تحديث النظام التعددي عبر الأمم المتحدة . وربما يمكن لبعض المواضيع التي تطرقت لها اليوم أن تكون جزءا من الأجندة.

ومن شأن هذا الإنجاز أن يكون، فعلا، مساهمة قيمة تكريما لذكرى نادية يونس.

I would like to find:

Search
Close
Thank you! Your submission has been received!
Oops! Something went wrong while submitting the form.
 

Keep up to date with The Elders latest News and Insight:

Sign up to receive monthly newsletters from The Elders. We will occasionally send you other special updates and news, but we'll never share your email address with third parties.
Close