SHARE:
 Opinion

دور المجتمع المدني في التحوّل الديمقراطي

Share this:
Anonymous
Thursday, 27 June, 2013

"لا يمكن أبدا اجتثاث المجتمع المدني أو قمعه كليا، على الرغم من محاولات الأنظمة المستبدة" في الوقت الذي تخطّط مصر فيه لإقرار قانون جديد لتنظيم الجمعيات الأهلية، يناقش فرناندو هنريكي كاردوسو الدور الحاسم للمجتمع المدني في التحولات الديمقراطية بالاستناد إلى المثال البرازيلي في الثمانينات. ففي مقال له على ال-مونيتور، يرى كاردوسو بأنّ على الدول مواصلة حماية المجتمع المدني ومقاومة الضغوط الرامية للحد من إمكانياته.

في الوقت الذي يناقش فيه المشرّعون المصريون قانونا جديدا للإشراف على عمل المنظمات غير الحكومية، تعود بي ذاكرتي إلى تجربة البرازيل في الثمانينات، حين تخلصنا حينها، وكما فعل المصريون عام 2011؛ من الحكم الاستبدادي وبحثنا عن طرق جديدة لتنظيم الحياة السياسية.

وقد أثار مشروع القانون المصري للجمعيات الأهلية حفيظة ممثلي المجتمع المدني، سيما وأنه يفرض قيودا صارمة على التمويل الخارجي وعلى المنظمات الأجنبية، ولسماحه برقابة حكومية مشدّدة على المنظمات غير الحكومية. ويؤكد منتقدو النصّ الحالي للقانون أنه سيسمح بتكرار محاكمة شهيرة ومثيرة للجدل، قضت بسجن 43 من العاملين في المنظمات غير الحكومية بتهمة انتمائهم إلى منظمات "غير قانونية"، وذلك بمقتضى قانون تم سنّه في عهد حسني مبارك، والذي لاقى حينها انتقادات كبيرة على نطاق واسع، وهو ذاته القانون الذي يسعى مشروع القانون الحالي إلى الحلول محله.

ولا شكّ أن كلاً من مصر والبرازيل تمتلك سياقا مختلفا عن الأخرى، كما أنه من الصعب بمكان التعليق على مشروع القانون المصري والذي لا يزال في طور التعديل. إلا أن الحالة المصرية تعدُّ فرصة جيدة للتذكير بمبادئ عامة، والتي تتلخّص فيما يلي: أن المجتمع المدني يتطلّب ويستحقّ دوماً إيجاد قوانين متينة تعزّز شرعيته.

وعندما استحوذ نظام ديكتاتوري عسكري على الحكم في البرازيل في ستينات القرن الماضي، تم اعتبار جهدي الأكاديمي عملاً هداماً، وتم تهديدي بالحبس، واضطررت للعيش منفياً في تشيلي لمدة أربعة أعوام. وبنحو مشابه، قامت السلطات حينذاك باستهداف آلاف المواطنين، حيث ضايقتهم وسجنتهم، بل وفعلت الأسوأ بهم في أحيان كثيرة. وهكذا تعمل "الدولة العميقة" والتي تنشؤها الأنظمة الاستبدادية، بطريقة مفاجئة وفظة غالبا، وذلك من أجل كبت الحياة السياسية، من خلال القمع السافر والمراقبة السرية والتطبيق المريب للقوانين.

والإخوان المسلمون في مصر على علم جيد بذلك، فقد ذاقوا مرارة القمع مرارا وتكرارا في ظل أنظمة استبدادية متعاقبة، بدءاً من جمال عبد الناصر وحتى حسني مبارك، واضطرت الجماعة لتحمّل الحظر المتكرر لها من قِبل تلك السلطات؛ وهو ما شكّل إهانة مطلقة لملايين المصريين الداعمين لأهداف الجماعة، الأمر الذي يزيد من أهمية نقاشنا الراهن حول "المنظمات غير القانونية".

وحينما استعادت جماعة الإخوان شرعيتها عقب ثورة 2011؛ تقدمت وكما هو متوقع عبر انتخابات ديمقراطية لتتربّع على السلطة، وبالنسبة لي فإني أتعاطف مع هذا الشعور الاستثنائي بالفوز وإثبات الوجود.

لكني في الوقت ذاته أتفهّم اللحظة التي يتبدد فيها النصر والغبطة على أرض الواقع: فثمة اقتصاد بالغ التعثر؛ وحلفاء قدامى انقلبوا إلى معارضة وانقسموا بشأن الطريق التي يجب اتخاذها قُدُما (ولدينا في البرازيل قول شائع: يتّحد اليسار فقط عندما يكون في المعتقل)؛ ولايزال إرث عدم الثقة مستمراً على الرغم من تراجع سيطرة "الدولة العميقة" على المجتمع المدني. ولعل تلك العوامل ما زالت ماثلة في فكر بعض قطاعات الحكومة عندما تواصل إعدادها لقانون المنظمات، وهو أمر مفهوم، لكنه خاطئ في اعتقادي.

ومن تجربتي في الحكومة، فإن الإدارة الناجحة لبيئة تسمح بازدهار المجتمع المدني ضرورية، وذلك لأسباب كثيرة منها تحسين قدرة الإصلاح لدى الحكومة.

لذا أود تقديم الأفكار التالية:

في تقرير للأمم المتحدة عن المجتمع المدني؛ أعربتُ مرة عن فكرة مفادها أن حكومات عديدة ولأسباب هيكلية تتعرض للضغط من أجل تحجيم مشاركة منظمات المجتمع المدني في العملية السياسية. والسؤال من منظور حكومة منتخبة هو: "من أين تحصل جهات المجتمع المدني غير المنتخبة على التفويض والذي يمنحها الشرعية؟" وبالطبع فإن الإجابة الوحيدة والمناسبة لهذا السؤال هو الادعاء بأن المجتمع المدني لا يملك أي شرعية إطلاقا، أما البديل فهو القبول بأهمية تعبئة المجتمع المدني، وكما هو المشهد في منتزه غازي بإسطنبول في الأسابيع الأخيرة، أو في أرجاء البرازيل كذلك.

وبعبارة أخرى، يستمدّ المجتمع المدني شرعيته من القضايا التي يثيرها ويدعمها والشرعية الناجمة عن تلك القضايا في المجتمع. فشرعية المجتمع المدني لا تصدر عن الدولة، ولا حتى من القانون، بل إن المواطنين أنفسهم يمتلكون حقاً متأصلا بالمشاركة في الحياة المدنية، وهو الحقّ الذي ينبغي على الحكومة حمايته، من خلال توفير البنية (سيادة القانون، الانتخابات، الحقوق) والمساحة الديمقراطية ليتمكن الشعب من المشاركة.

لذا فإن تعريف المجتمع المدني لا يتطلب تعريفا سلبيا مبسطاً عن "كافة المعارضين للسلطة الحالية"، بل تعريفا إيجابيا وإدراكا أعمق يشمل طيفا واسعا من الجهات الفاعلة خارج الدولة. ويجب أن يتبنى هذا التعريف وجود رؤى متباينة ونقاش عام حول تنوع واختلاف الآراء، إلى جانب توفير مساحة من التسامح وتقبّل كافة المشاركين. (وقد أقرت حكومتي، بعد دراسة أجرتها لجنة مختصة، تعريفاً للمجتمع المدني في القانون البرازيلي).

وأود التركيز على الطابع الدولي والعالمي لهذه المسألة، إذ ينبغي أن تتوافق قوانين أي دولة حول المجتمع المدني وحرية تأسيس الجمعيات المدنية مع التزاماتها الدولية، وكما أشار المنتقدون للقانون المصري المذكور فإن المسودة الحالية للقانون لا تتماشى مع تلك الالتزامات.

وبما أن للمجتمع المدني بعدٌ دولي؛ فمن الحركات الدينية وحتى جماعات المصالح المدافعة عن الحقوق؛ فإنه سيزداد اعتماد المجتمع المدني على التضامن والدعم الخارجي، بفضل توفّر باقة من وسائل الاتصال والقدرات التنظيمية.

وكما أثبت المصريون قبل عامين؛ فإنه مهما حاولت الأنظمة، لن تستطيع أبدا اجتثاث المجتمع المدني أو قمعه كليا. وكما كنا نقول لبعضنا البعض أيام الحكم العسكري القاتمة: " إن لم تستطع الصراخ؛ تكلّم. وإن لم تستطع الكلام؛ فاهمس".

وكنتيجة أخيرة؛ فإن المجتمع المدني، ومن خلال مكوناته وتنوعه اللامحدود، يجب أن يكون شريكا فعّالاً في أي حكومة. فهو موجود ليبقى، أما الحكومات، وحتى القمعية منها؛ فإنها لن تبقى للأبد.

I would like to find:

Search
Close
Thank you! Your submission has been received!
Oops! Something went wrong while submitting the form.
 

Keep up to date with The Elders latest News and Insight:

Sign up to receive monthly newsletters from The Elders. We will occasionally send you other special updates and news, but we'll never share your email address with third parties.
Close